أبو الفضل أحمد بن حسين بديع الزمان الهمذاني

9

مقامات بديع الزمان الهمذاني

وهو يحاول أن يعلل سلوكه الشائن هذا بضرورة التكيف مع الأحوال والظروف والبيئة الاجتماعية . لقد قلب له الدهر ظهر المجن ولم يعدل في قسمة الخيرات بين الناس ، فجاد بها على الحمقى والأغبياء وحرم العلماء والأذكياء من أمثاله . وخير وسيلة لمقارعة الأيام والحصول على حقوقه الخداع والتقلب والتظاهر بالحمق . وقد عبر عن ذلك بقوله : أنا أبو قلمون * في كل لون أكون اختر من الكسب دونا * فإن دهرك دون زج الزمان بحمق * إن الزمان زبون لا تكذبن بعقل * ما العقل إلا الجنون أو يقول في مقامة أخرى : هذا الزمان مشوم * كما تراه غشوم الحمق فيه مليح * والعقل عيب ولوم والمال طيف ولكن * حول اللئام يحوم إن أبا الفتح ينصح باختيار طرق الكسب الدنيئة ، لأن الدهر دنيء ، وينصح بالتخلي عن العقل والتزام الحمق لأن الناس حمقى ولئام . وهي لعمري فلسفة الدناءة والغباوة ، فلسفة الاستجداء والاستعطاء والاستعطاف والاستسلام ، فلسفة الهوان والذل والحقارة ، فلسفة الموت الخلقي . والسؤال الذي يمكن طرحه هو التالي : هل تعكس هذه الفلسفة واقعا اجتماعيا مترديا في القرن الرابع الهجري في بلاد فارس ؟ أو هل تعكس فكر بديع الزمان الهمذاني ذاته ؟ يبدو أنها انعكاس لحالة اجتماعية متردية في زمان الهمذاني